عبد القاهر الجرجاني
177
دلائل الإعجاز في علم المعاني
بدأ فدلّ بسكب الدموع على ما يوجبه الفراق من الحزن والكمد ، فأحسن وأصاب ، لأن من شأن البكاء أبدا أن يكون أمارة للحزن ، وأن يجعل دلالة عليه وكناية عنه ، كقولهم : " أبكاني وأضحكني " ، على معنى " ساءني وسرّني " ، وكما قال : [ من السريع ] أبكاني الدّهر ، ويا ربّما * أضحكني الدّهر بما يرضي " 1 " ثم ساق هذا القياس إلى نقيضه ، فالتمس أن يدل على ما يوجبه دوام التلاقي من السرور بقوله : " لتجمدا " ، وظنّ أن الجمود يبلغ له في إفادة المسرّة والسلامة من الحزن ، ما بلغ سكب الدمع في الدلالة على الكآبة والوقوع في الحزن ونظر إلى أنّ الجمود خلوّ العين من البكاء وانتفاء الدموع عنها ، وأنه إذا قال " لتجمدا " ، فكأنه قال : " أحزن اليوم لئلّا أحزن غدا ، وتبكي عيناي جهدهما لئلا تبكيا أبدا " ، وغلط فيما ظنّ . وذاك أن الجمود هو أن لا تبكي العين ، مع أن الحال حال بكاء ، ومع أن العين يراد منها أن تبكي ، ويستراب في أن لا تبكي ، ولذلك لا ترى أحدا يذكر عينه بالجمود إلا وهو يشكوها ويذمّها وينسبها إلى البخل ، ويعدّ امتناعها من البكاء تركا لمعونة صاحبها على ما به من الهمّ ، ألا ترى إلى قوله : [ من الطويل ] ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط * عليك بجاري دمعها لجمود " 2 " فأتى بالجمود تأكيدا لنفي الجود ، ومحال أن يجعلها لا تجود بالبكاء وليس هناك التماس بكاء ، لأنّ الجود والبخل يقتضيان مطلوبا يبذل أو يمنع ، ولو كان الجمود يصلح لأن يراد به السلامة من البكاء ، ويصحّ أن يدلّ به على أن الحال حال مسرة وحبور ، لجاز أن يدعى به للرجل فيقال : " لا زالت عينك جامدة " ، كما يقال : " لا أبكى اللّه عينك " ، وذاك مما لا يشكّ في بطلانه . وعلى ذلك قول أهل اللغة : " عين جمود ، لا ماء فيها ، وسنة جماد ، لا مطر فيها ، وناقة جماد ، لا لبن فيها " ، وكما لا تجعل السّنة والنّاقة جمادا إلّا على معنى أنّ السّنة بخيلة بالقطر ، والنّاقة لا تسخو بالدّرّ " 3 " ، كذلك حكم العين لا تجعل " جمودا "
--> ( 1 ) البيت لحطان بن المعلى ، وانظره في الإيضاح ( 7 ) تحقيق د . هنداوي ، وشرح ديوان الحماسة للتبريزي ( 1 / 152 ) ، وقد كنى الشاعر فيه بإبكاء الدهر له عن إساءته ، وبإضحاكه له عن سروره . ( 2 ) البيت لأبي عطاء السندي في رثاء ابن هبيرة عندما قتله المنصور يوم واسط بعد أن أمّنه ، وو واسط مدينة بالعراق بناها الحجاج بن يوسف الثقفي ، وقد كنى فيه الشاعر بجمود العين عن بخلها بالدمع في الوقت الذي يجب فيه أن تدمع ، انظر البيت في شرح الحماسة للتبريزي ( 2 / 151 ) ، والإشارات والتنبيهات ( 12 ) ، والإيضاح ( 8 ) . ( 3 ) الدر : اللبن . القاموس / درر / ( 500 ) .